حقيقة الإيمان وحال المجتمعات الإسلامية

عرض الدرس
حقيقة الإيمان وحال المجتمعات الإسلامية
2403 زائر
02-09-2013 07:01
مروان رجب
بسم الله الرحمن الرحيم
حقيقة الإيمان وحال المجتمعات الإسلامية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد ابن عبد الله وعلى آل بيته , ورضي الله عن صحابته أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :-

قال ابن القيم

وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول علما والتصديق به عقدا والاقرار به نطقا والانقياد له محبة وخضوعا والعمل به باطنا وظاهرا وتنفيذه والدعوة اليه بحسب الامكان .

وكماله في الحب في الله والبغض في الله والعطاء لله والمنع لله . وأن يكون الله وحده الهه ومعبوده.

والطريق اليه تجريد متابعة رسوله ظاهرا وباطنا وتغميض عين القلب عن الالتفات الي سوى الله ورسوله وبالله التوفيق .

والدليل على ما قال ابن القيم رحمه الله على الاقرار والخضوع القلبي بجانب التصديق والنطق بالشهادة
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم .

وقد روى عن أبي جحيفة ، قال : قال علي : إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ، ثم الجهاد بألسنتكم ، ثم الجهاد بقلوبكم ، فمن لم يعرف قلبه المعروف ، وينكر قلبه المنكر ، نكس فجعل أعلاه أسفله .
وسمع
ابن مسعود رجلا يقول : هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر ، فقال ابن مسعود هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر ، يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك

وقال ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم [ ص: 245 ] فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه ، وأما إنكاره بالقلب لا بد منه ، فمن لم ينكر قلبه المنكر ، دل على ذهاب الإيمان من قلبه .

وقال العلماء عن انكار المنكر بالقلب ::-

وأما صفته : فهو أن يشعر المؤمن في قلبه، بكراهة هذا المنكر وبغضه له ، وأن يتمنى أن لو قدر على تغييره، وأن يناله حزن وهم لعدم قدرته على تغيير هذا المنكر، وهذا الأخير هو من أمارات صدق الإنكار بالقلب وينبغي أن ينضم إلى ذلك سؤال الله جل وعلا الإعانة على تغيير هذا البلاء وإزالته. نسأل الله جل وعلا ـ لنا ولجميع المؤمنين التخلق بهذا الخلق المبارك. . ومما ينبغي أن يشار إليه أنه إن كان الإنسان عاجزاً عن تغيير المنكر إلا أنه بوسعه مفارقة المكان الذي يعصى الله فيه، فيجب عليه مفارقته ولا يكتفي في هذه الحالة بإنكار القلب فقط. وقد قال جل وعلا: ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)[الأنعام:68] وقال تعالى ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا )[النساء:140]


وقال ابن تيمية

من المعلوم أن كلام الله وشرعه إنما هو خبر وأمر.

فالخبر: يستوجب تصديق الخبر.

والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب، جماعه: الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به. ( إن لم يكن يتعلق بنواقض الإيمان بكفر أو شرك )

فلابد من الاقرار بالأمر و حب المعروف و كره المنكر في القلب , فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو " الطمأنينة والإقرار " فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. فلو فُسِّر الإيمان بالتصديق فقط، كما قال أهل اللغة، فإن التصديق إنما يعرض للجزء الأول من الشرع فقط الذي هو الخبر، ولا يعرض للجزء الثاني وهو الأمر، لأن الأمر ليس فيه تصديق من حيث هو أمر.

ومن المعلوم أن إبليس لم يكفر بسبب عدم تصديقه، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا، ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة فصار كافرا، قال تعالى: { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }

فسماه الله كافرا وسلب عنه وصف الإيمان لاستكباره وعدم انقياده لأمرالله له بالسجود لآدم.

وجاء في مدارج السالكين
الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها ، والجهل بقدر من عصاه ، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها ، ففرحه بها غطى عليه ذلك كله ، وفرحه بها أشد ضررا عليه من مواقعتها ، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدا ، ولا يكمل بها فرحه ، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه ، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به ، ومتى خلى قلبه من هذا الحزن ، واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه ، وليبك على موت قلبه ، فإنه لو كان حيا [ ص: 199 ] لأحزنه ارتكابه للذنب ، وغاظه وصعب عليه ، ولا يحس القلب بذلك ، فحيث لم يحس به فما لجرح بميت إيلام .
وهذه النكتة في الذنب قل من يهتدي إليها أو ينتبه لها ، وهي موضع مخوف جدا ، مترام إلى هلاك إن لم يتدارك بثلاثة أشياء : خوف من الموافاة عليه قبل التوبة ، وندم على ما فاته من الله بمخالفة أمره ، وتشمير للجد في استدراكه .
قوله : وقعودك على الإصرار عن تداركه .

الإصرار : هو الاستقرار على المخالفة ، والعزم على المعاودة ، وذلك ذنب آخر ، لعله أعظم من الذنب الأول بكثير ، وهذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبا أكبر منه ، ثم الثاني كذلك ، ثم الثالث كذلك ، حتى يستحكم الهلاك . فالإصرار على المعصية معصية أخرى ، والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها ، وطمأنينة إليها ، وذلك علامة الهلاك ، وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه ، فإن آمن بنظره إليه وأقدم على المجاهرة فعظيم .

والأمر الآخر الهام في قضية الإيمان ب " لا إله إلا الله محمد رسول الله " هو ما يسمى بالحاكمية ( وهي إفراد الله بحكمه في جميع شئون الحياة , أو العبودية لله وحده في نظام الحياة كلها..) , فلقد جاء الإسلام شاملا لجميع نواحي الحياة من خلال الوحي بالأوامر المباشرة وما يقاس عليها و من خلال الوحي بالمبادئ والقواعد العامة وكل ذلك يجعل من الإسلام منهج حياة متكامل يعيش الإنسان به ويموت عليه , ودلائل ذلك كثيرة من القرآن والسنة , كقوله تعالى " ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون" والذي انزله الله وحيا هو ما قلنا عنه " منهج حياة متكامل " من خلال الأوامر ومن خلال المبادئ والقواعد العامة , لذا كان من البد أن يتعلم الإنسان دينه , وخصوصا الواجب منه , وأن لا يخطو المسلم خطوة في حياته إلا بعلم ومعرفة لحكم الله فيها , يقول الله تعالى " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " أي وفق أمر الله ولله , وحتى نصيب المسلم من مباهج الحياة لابد أن تخضع لحكم الله وعلى سبيل المثال لا الحصر فالإسلام لا يحرم بناء المسكن بل يحض عليه ولكنه في نفس الوقت أوحى بقاعدة عامة يدخل فيها هذا الأمر ألا وهي " إن الله لا يحب المسرفين " ويقول " ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا " , ومن المبادئ العامة في حكم الله الحفاظ على البيئة وعدم القاء النفس في التهلكة وعدم الاضرار بها ومراعاة الصالح العام وحفظ المال والنفس والأعراض و أما قواعده فهي كثيرة نذكر منها على سبيل المثال , سد الذرائع ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة , ولا ضرر ولا ضرار , والإضطرار , وغيرها كثير اوردها العلماء في كتبهم من خلال تدبر القرآن والسنة , وللرد على استدلال بعض المسلمين على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنتم اعلم بشئون دنياكم " فأقول أن القصد بذلك بكل وضوح فيما يتعلق بالأمور الفنية الصرفه , حيث ان القرآن والسنة هي منهج حياة وليس أمور علمية صرفه

( هناك أمور علمية على سبيل الإخبار لتدل على صحة الرسالة )

, وفي هذه الأمور العلمية الصرفة يدخل الدين فيها كما ذكرنا من حيث مبادئه وقواعده وعلى سبيل المثال الحديث الذي يسوقه الكثير من الناس , فالإسلام يدخل في ذاك الموضوع من خلال مبادئه وقواعده كهل ما سيزرع يضر بالبيئة أو فيه ضرر على النفس أو اسراف في الأموال وغير ذلك من الأمور , ولا يقصد بهذا الحيث بتاتا الفهم الذي فهمه بعض من المسلمين أصحاب الأهواء " فصل الدين عن الحياة وعن السياسة والاقتصاد وخلافه " , فالدين كما قلنا يشمل جميع جوانب الحياة إما بأوامره المباشرة صراحة أو قياسا أو بمبادئه وقواعده , لذا كان من اعظم ما أوحى الله به لجميع رسله هو التوحيد الذي هو جزء من عقيدة المسلم ومن إيمانه , ومعناه اطلاق العبودية لله وحده , فجاء التوحيد بأنواعه بكل وضوح في القرآن الكريم والسنة النبوية وكثير من المسلمين ضلوا في هذه المسألة الخطيرة إما تطرفا كالتكفيريين أو انسلاخا كالليبراليين والعلمانيين أو جهلا وضلالا كالصوفية وبعض من الفرق وكل يدان بحسب ما يعتقد او يقول او يفعل , وأقسام التوحيد ثلاثة ومنهم من قال أربعة مخرجا توحيد الحاكمية من توحيد الألوهية لأهميته وهي :-

توحيد الربوبية
توحيد الألوهية
توحيد الأسماء والصفات
توحيد الحاكمية لله

الأنواع الثلاثة الأول من التوحيد هي الذي أشار إليها وركز وجدد الأمام محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية , وأما توحيد الحاكمية فهو من أشار إليه بقوة الإمام حسن البنا في مصر رحمهما الله . ولا يظننا ظان بأن دعوتنا لإخراج الدين من المساجد ليشمل جميع جوانب الحياة سيؤدي للتخلف والرجعية , بل سيفاجأ الجميع من العلماء والمثقفين وعامة الشعب عندما يسألنا الله عز وجل عن تقصيرنا في عمارة الأرض وعن تقصيرنا في التقدم العلمي والحضاري مما جعل الغرب يتحكمون في المسلمين نظرا لاعتمادنا عليهم حتى نعمر مجتمعاتنا من الإبرة للصاروخ , فكلنا محاسبون على هذا التقصير فالله امرنا بتسخير كل الأمكانيات التي وهبنا إياها لعمارة الأرض حتى نكون من الدول العظمى بل أعظم دولة على وجه الأرض ليعم خير الإسلام من عدل وحرية وحقوق انسان على وجه الأرض , فلو كنا مكان دولة عظمى حالية فلن نفرق بين الناس ولن نكيل بمكيالين في حقوق الانسان وفي رحمة خلق الله , واخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد , ولا يظننا ظان ان الدين مقيد للحريات وللرغبات وما هو إلا سلاسل تقيد الإنسان , فكل خير على وجه الأرض دع اليه الدين وكل شر على وجه الأرض حرمه الله , وأن كان يبدوا لنا الخير شر والشر خير فما ذلك إلا فعل الشيطان وتزيينه للقبيح لنا على انه خير ومتعة , وكل ما حرم الله له مقابل في الحلال عرفه من عرفه وجهله من جهله , والمشكلة تكمن في العرض المغلوط للدين من قبل بعض العلماء وفي تزيين الشيطان لنا للقبائح وفي سماعنا لوسوسة الشيطان لنا بأن الدين وأوامره تؤدي إلى التضييق والإكتئاب , فها هم أهل الدنيا من الغرب لم يبقى شيئا إلا فعلوه ورغم كل ما يملكونه من متع الدنيا المزيفة يقدمون على الإنتحار وتنتشر بينهم الأمراض النفسية بشكل كبير , ومن كان يظن في ان الله لا يريد لنا الخير والسعادة في الدارين وان إتباع الشيطان والنفس والهوى هي مصدر السعادة , فقد أساء الظن بربه الرحمن الرحيم الجواد الكريم أسوأ ظن , فالله هو خالقنا وهو الأعلم بما هو خير لنا وما هو شر لنا وهو اعلم بما يسعدنا وإن بدى لنا الأمر عكس كذلك وهو أعلم بما يتعسنا وإن كان الأمر يبدو لنا عكس ذلك , فالصانع أعلم الناس بما صنع , فالسعادة كل السعادة والخير كل الخير في الدارين في إتباع اوامر الله وشرعه أو ليس الخير كل الخير في سعادة القلب والنفس وطمأنينة القلب وعدم الخوف على الرزق وعدم الخوف من الموت فلا هم ولا غم , ولكن الأمر في بدايته يكون صعب ويبدو لنا عكس ذلك وما كان ذاك إلا بفعل الشيطان ليصرفنا عن السعادة الحقيقة والخير لنا , فهو لا يريد لنا إلا الشر في الدارين , وقد يختبرنا الله في امور كثيرة ليرى هل نثق في وعده ونثق فيما قال بأن السعادة في إتباع منهجه في الحياة , فمن مكن دين الله في قلبه وظهر أثره باطنا وظاهرا وجاهد نفسه على ذلك وصبر على وساوس الشيطان وثبت في إمتحان الله له , فإن الله سيرضى عنه ويعطيه خير ما في الدنيا وهي سعادة القلب والطمأنينة , واما من سمع لوسوسة الشيطان ومن لم ينجح في الإمتحان وإن جمع من المال ما جمع وحاول اسعاد نفسه بكل طريقة شيطانية ممكنة فإن النهاية ستكون حتما تعيسة والواقع يثبت ذلك

اخير أن مما تجدر الإشارة إليه أنه لا بد أن يظهر المجتمع وأفراده الاعتذار بجانب هذا الإيمان والتوحيد وهو :-
إظهار الضعف والمسكنة ، وغلبة العدو ، وقوة سلطان النفس ، وأنه لم يكن مني ما كان عن استهانة بحقك ، ولا جهلا به ، ولا إنكارا لاطلاعك ، ولا استهانة بوعيدك ، وإنما كان من غلبة الهوى ، وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة ، وطمعا في مغفرتك واتكالا على عفوك ، وحسن ظن بك ، ورجاء لكرمك ، وطمعا في سعة حلمك ورحمتك ، وغرني بك الغرور ، والنفس الأمارة بالسوء ، وسترك المرخى علي ، وأعانني جهلي ، ولا سبيل إلى الاعتصام لي إلا بك ، ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك ، ونحو هذا من الكلام المتضمن للاستعطاف والتذلل والافتقار ، والاعتراف بالعجز ، والإقرار بالعبودية .
فلذا أقول " إن كانت المجتمعات على هذا الايمان , وعلى هذا الاعتذار , فهي في خير ويرجى لها الفوز العظيم وإلا فهي على خطر عظيم " . اللهم اغفر لي زلتي إن زللت
الباحث والكاتب الإسلامي م \ مروان رجب
   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الدروس المتشابهة الدرس التالية
جديد الدروس
جديد الدروس

RSS

Twitter

Facebook

Youtube